المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أدونيس


شظايا أدبية
04-05-01, 01:19 PM
ولدت في سنة 1930 في قرية فقيرة وبسيطة اسمها قصابين، في منطقة اللاذقية قرب مدينة جبلة. قرية تذكر ببدايات الخليقة: أكواخ من الحجر والطين سميناها بيوتا وسط يتمازج فيه الشجر والبشر، وليس جسد الإنسان إلا الشكل الآخر لجسد الطبيعة.

كان طين بيتنا يتشقق موسميا، وكنا، في كل موسم، نكسوه بطين جديد، لكي يقدر أن يصمد في وجه المطر والريح والزمن. السقف: قضبان خشبية تغطى بنبات شوكي، يغطى بالتراب، ومن ثم تكسى بالطين لكي لا يخترقه المطر. مع هذا كثيرا ما كان المطر يتسلل عبر شقوق غير منظورة، ويسقط نقطة نقطة فوق رؤوسنا جميعا، أبي وأمي واخوتي، وفي جميع أنحاء البيت، فيما نجلس للراحة أو للطعام أو فيما ننام.

هكذا نشأت كأنني شجرة أو نبتة. ولم يكن البيت إلا حاجزا واهيا بيني وبين عشب الطبيعة حين تعصف أو تمطر، أو رضاها حين تهدأ وتصحو.

كان بيتا ضيقا. لذلك أقام أبي سريرا من خشب واسعا ننام فيه جميعا، على أعمدة عالية من الخشب. كان هذا السرير بيتا صغيرا داخل البيت، ودون أن يأخذ من مساحته شيئا، إذ كنا نستخدم المساحة تحت السرير لأغراض كثيرة. وفي الشتاء البارد كانت تنام تحته بقرتنا الوحيدة الطيبة، وصديقها ثورنا الوحيد الذي كان هو أيضا طيبا. كنت أذهب كل يوم حافي القدمين إلى معلم القرية، الشيخ، أي ما يسمى ."الكتاب"، لأتعلم القراءة والكتابة.


جهنم الفكر، جنة الحواس

أنفر كثيرا من المثقفين العرب الذين يأخذون الغرب بوصفه كتلة واحدة، ينتقدونها ويدعون إلى نبذها. والغريب أنهم لا ينتبهون إلى أنهم ينتقدون بلغة صاغها الغرب الثقافي نفسه، وبمفهومات وضعها مفكروه وفلاسفته. إن النقد العميق الجذري للغرب التقني، الاقتصادي العسكري لم يجيء من المفكرين العرب، و انما جاء من مفكري الغرب وفلاسفته وشعرائه. وأنا شخصيا أجد نفسي أقرب إلى نيتشه وهيدغر، إلى رامبو وبودلير، إلى غوته وريلكه، مني إلى كثير من الكتاب والشعراء والمفكرين .العرب. أن وطن الإبداع الثقافي لا يتطابق، بالنسبة الي مع الوطن الجغرافي .

وأنا، في التحليل الأخير، مع الوطن الأول. ونضالي كله يتمحور حول هذا الهدف: أن يصبح وطني الجغرافي جزءا عضويا من هذا الوطن الكوني الإبداعي. لا شرق، لا غرب: بل الانسان الواحد والكون الواحد .

شعريا، لا أعد نفسي معروفا باللغة الإنكليزية. يبدو أن بين لغتي الشعرية واللغة الإنكليزية برزخا لا يمكن عبوره. مع ذلك آمل، ذات يوم، ذات معجزة... في ما يتعلق بالترجمات إلى اللغات الأخرى الفرنسية، والأسبانية، والإيطالية والسويدية والألماني، إضافة إلى اليونانية والتركية، يبدو أنها ناجحة. خصوصا .الفرنسية والأسبانية والألمانية .

هناك ترجمات أخرى في لغات أخرى: الدانمركية (مجموعة شعرية)، والإيرانية، والصينية، واليابانية (قصائد متفرقة) والفيتنامية (مجموعة شعرية)، لكن، لا أعرف ماذا أقول عنها، كل ما أعرف أن شعراء كانوا يقومون بهذه الترجمات، إلا في .اليابانية والصينية، فالمستعربون هم الذين يترجمون .

وأعرف جيدا الشاعر الدانمركي الذي ترجم "أغاني مهيار الدمشقي"، وهو من أهم الشعراء في بلاده. لا أقول إن الشعر، لا يترجم، بل أقول انه يخسر كثيرا في الترجمة التي لا بد منها. يخسر، على الأقل، الخصوصية الموسيقية في لغته الأصلية، وهذا ليس قليلا. يخسر أيضا نوعية العلاقة في لغته الأصلية بين الكلمة .والكلمة، وبين الكلمة والشيء أو الفكرة: وهذا أيضا ليس قليلا لهذا يجب التعويض. وشروطه لا تتوفر إلا في مترجم هو نفسه خلاق، يتقن لغته اتقانا شعريا كاملا، ويعرف لغة الشاعر الذي يترجمه، وعالمه الشعري معرفة عالية. بحيث يقدر أن يقدم في لغته نصا عاليا يوازي النص الذي يترجمه. واعتقد أن هذا موجود. .

فهناك ترجمات شعرية في مستوى الأصول المترجمة. غير أنها نادرة جدا. السينما، بوصفها فنا، أو أسلوبا فنيا في مقاربة العالم، يمكن أن تكون الفن الشامل، أي الفن الأكثر شمولا وكمالا، بحيث تذوب فيها وتنصهر جميع الأشكال الفنية الأخرى، ومن ضمنها الشعر نفسه. وعلى هذا المستوى، هي فن المستقبل. يبقى التطبيق، الممارسة. وهذا عائد إلى (الموهبة) من جهة، والى الإمكانات المالية والاقتصادية من جهة ثانية.

غير أن الطابع الغالب، اليوم، على النتاج السينمائي، هو، مع الأسف، طابع الرداءة: الابتذال الجنسي والعنف، و"سكريات" الأنوثة. مع ذلك، تظهر بين وقت وآخر، بعض الأفلام المدهشة. "تايتانيك" مثل راهن. ومن بين الأعمال السينمائية الكبرى أذكر أعمالا يابانية، وإيطالية وأميركية وروسية. نسيت أسماءها بالتفصيل، لكنها إنجازات فنية كبرى .

فن القص بالصورة الحية، جسدا وحركة وحياة يومية، وأشياء البيوت والشوارع والمدن والأرياف والبحار والجبال والسماء والأرض، مشحونا بالفنون الأخرى، فن المسرحة، وفن التصوير الفوتوغرافي، وفن الشعرية، نظرا وإخراجا ونصا، وفن الموسيقى، إضافة إلى فنون أخرى، كالرقص، مجتمعا كله، في مكان واحد على الشاشة الواحدة، هذا الفن، أكرر، هو فن المستقبل. لأنه هو وحده الفن الذي يمكن أن يكون محيطا. يبقى النفاذ إلى أعماق الإنسان ومشكلاته، وهذا، كما قلت، تابع لعبقرية المؤلف والمخرج والممثل .

أعشق السينما. وأعتقد أن بنية الصفحة في كتابي الأخير: "الكتاب: أمس المكان الآن"، مستفادة من الفن السينمائي. أسعدني كثيرا أن أكتب عن بعض الفنانين العرب، الأكثر أهمية في الوقت الحاضر، أو أن أقدم لمعارضهم. وأسعدني كثيرا أيضا أن أعمل مع بعضهم على كتب مشتركة شعرية، تشكيلية، بطباعة فاخرة، ونسخ محدودة ومرقمة. و يؤسفني أن الصلة، إبداعيا، بين الشعر والرسم تكاد أن تكون شبه منعدمة في البلاد العربية إجمالا، لا تفاعل ولا تآخـي بين الفنون عندنا .

وهذا دليل على نقص في المعرفة، ونقص في الخبرة. لست رساما. وإنما أقوم، بين وقت وآخر، ولكي أعطي لأصابعي حقوقها في اللعب الحر، بتخطيط تكوينات من مواد مختلفة، وغير لونية. والمعرض الذي تشير إليه أقامه صديقي زياد دلول، في الغاليري التي يديرها، غصبا عنى، تقريبا. غير أنني أتابع، صامتا، هذه التكوينات أو الملصقات أو المركبات .

لا أعرف كيف نترجم هذه الكلمة collage، وعندي الآن مجموعة كبيرة. غير أنني لست ميالا إلى اقامة معرض أبدا. سأنتظر. هذه مناسبة لأختم هذا الحديث بتحية إلى يوسف الخال الذي عني بالحركة الفنية التشكيلية العربية عنايته بالحركة الشعرية. وكلنا نعرف الغاليري التي فتحها لهذه الغاية باسم غاليري ألف. أحييه متذكرا أيامه الأخيرة في باريس حيث كان يحارب الداء، وقبيل رحيله الأخير. كنا نحب في جلساتنا أن نتذكر البدايات: بدايات لقائنا في بيروت، في أواخر أكتوبر 1956، في مطعم نصر، الروشة، وبدايات عملنا لإصدار العدد الأول من مجلة "شعر" في المطبعة بمحلة الزيتونة، في ديسمبر من السنة نفسها .

كنا نستعيد حواراتنا وأفكارنا وآراءنا. كنا نستعيد كذلك لحظات الفرح، ثالثنا، في التساؤل: بأية قصيدة نفتتح العدد الأول، ما المادة النقدية التي يحسن أن نبدأ بها، ما الترجمات الشعرية، ما لون الغلاف؟ كنا نستعيد أيضا لحظات الدخول إلى المطبعة، ورؤية عمالها، خصوصا المعلم جورج، والحديث معهم حول شكل تنضيد القصائد و إخراجها، و اختيار الحروف الخاصة بالعناوين، واختيار الورق للعدد الأول، وتصحيح ملزمته الأولى. كنا كمثل طفلين لا يصدقان أن ما بين أيديهما تتكون كرة تمتلئ بأشياء تضج بالرغبة والرهبة في آن .

وكنا في الوقت نفسه كمثل بالغين يعيان أن ما يقومان به سيشكل حدا فاصلا يكون بداية لمفهوم آخر للشعر، وبداية لتاريخ شعري آخر. اليوم، بعد أربعين سنة على صدور العدد الأول، وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على رحيله، أنظر، أقرأ، أتأمل مطعم نصر لا يزال "وفيا"، حيث هو. المطبعة التي شهدت ولادة المجلة في عددها الأول، زالت. وهو، يوسف الخال، لا يزال كما كان في وفائه و، "غربته " على الرغم من أنه "خلق ألوفا" لا يفهمه إلا قلة .

ولا يزال الشعر العربي زيا "قوميا"، "وطنيا"، أو مجرد "زي". ولا يزال الكلام عليه يجري، غالبا، لا بالشعر و أدواته، بل بالعلاقة والجوار والقرابة والوظيفة والوطنية والسياسة والأيديولوجيا والمنفعة والحزب والمصلحة والانتماء والنضال والادعاء وخذ وهات... .

الكياني، الكوني، الإنساني: ما لا قوام للشعر إلا به، تسدل عليه الحجب، في جميع الأبحاث التي تتناول مجلة "شعر"، قصيدته الكبرى، فتجزأ قضيتها وهي الكل الذي لا يتجزأ، ويشوه بذلك معناها، وتشوه أطروحتها. قضية الشعر العربي، هذا الجسم البديع، الفريد، المدهش الذي يختزن ألفي سنة من التجارب، مندرجا بين أعظم ما أنتجته البشرية من شعر في تاريخها كله: هذه القضية كلها تختزل، عبر اختزال أطروحات مجلة "شعر"، في ثوب هذا الجسم، في مجرد الثوب: هل الخيوط التي نسج بها موزونة أم منثورة؟ هل هو "غامض" أم "واضح". هل هو "وطني"، "نضالي" أم لا؟
هكذا، على الشعر هو أيضا، كما يبدو، أن يزول في أرض لم يكد يبقى لها، حضاريا، إلا الشعر .
__________________________________



كان يجلسني قربه، ويضع في قدمي الرأس المقوس لعكازه، كأنشوطة تمسك بي وتحول دون أن أغافله وأهرب إلى التسكع في الحقول، كما كنت أفعل، حينما تسنح لي الفرصة. حتى الثانية عشرة من عمري، لم أعرف مدرسة بالمعنى المتعارف عليه. فلم يكن في منطقتنا مدارس حكومية. وكانت أقرب مدرسة إلى قريتنا تبعد مسافة طويلة لا يقدر طفل في سني أن يجتازها مرتين، يوميا.

وحتى هذه السن، لم أشاهد سيارة، ولم أعرف الراديو، ولا الكهرباء وطبعا، لم أعرف المدينة. وبدأت باكرا باكتشاف جسدي، في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، حيث تلقنت درسي الأولى في كيفية اللقاء بين ذكر وأنثى. كان ذلك ليلا، في واد صغير، وراء القرية، وهي التي أخذتني إليه. بعد هذا الحدث، صرت، أحيانا، أدعك جسدي بأعشاب الأرض، وألامسها كأنني ألامس جسد امرأة.

بعد أن أنهيت تعلم الكتابة والقراءة عند شيخ قريتنا في "الكتاب"، قرر أبي أن يرسلني إلى تلك المدرسة البعيدة. وأطمأن، رغم قلق أمي، إلى أن تلميذا آخر يكبرني سنا سيذهب معي. كان هذا التلميذ ابنا لمختار القرية، يوسف الكعدي، وكان اسمه عباس.


الشعر سفر نحو العالم

الشعر. سمعته أو قرأته أو كتبته، سفر. يوسع العالم، خارجا، وداخلا. وداخلا خارجا. تتوسع القرية فتحاذي تخومها تخوم البلد الذي نشأ فيه الشاعر. داخلا تتسع حدود الحلم والخيال والمعرفة. هكذا كان يؤكد القرويون الذين يمضون سهراتهم مع الشعر.

- "غدا أسافر لزيارة الأصدقاء في قرية (يسميها). أو في قريتين (يسميهما). هل تأتي معي؟ تقرأ لهم شعرا. سوف يسرون بك، ويحبونك "

وتكون القرية، غالبا، بعيدة علي، أنا الطفل الذي لم يكد يتجاوز العاشرة. لكن، أستيقظ مع أبي صباحا. نفطر خبزا وزيتونا، ونمضي. يسير أمامي. يضع عكازه وراء ظهره، ويشبك به ذراعيه. وإذ أتخيله الآن، يبدو لي في هيئة شخص مصلوب. أتعثر، ألتفت يمينا، شمالا، ورائي. أنظر إلى السماء. ألهو، أحيانا، وأتخلف عنه قليلا يلتفت ليتفقدني، ويقف ضاحكا - تعبت؟ "

بلى، يولد الإنسان أكثر من مرة، وفي أكثر من مكان. ولادته الأولى من أبويه عمل الطبيعة. لا اختيار فيه. وربما بدوت مغاليا إذا قلت إنني، منذ طفولتي، كنت مسكونا بشعور غامض أن مكان ولادتي الأولى ليست مكانا لكي أنمو فيه، بل لكي أنطلق منه. شعور يقول لي: لن تجد نفسك إلا في مكان آخر، في أمكنة أخرى. كأن الإنسان لا يصبح نفسه إلا بالخروج منها. كأن تاريخ الإنسان هو تاريخ الخروج من نفسه. لكن، كيف أخرج، وأين؟

لا أعرف كيف خطر لي أن أحلم حلم يقظة، أرسم فيه الطريق إلى دخول المدرسة. قلت الرئيس الأول للجمهورية الأولى لسورية بعد الاستقلال، سيزور منطقة اللاذقية، ضمن برنامج زيارته للمناطق السورية. سأكتب له قصيدة ألقيها أمامه مرحبا. وسوف تعجبه. وإذن سوف يطلب أن يراني. وسوف يسألني عما أريد. وسأجيبه: أريد أن أتعلم. وسوف يعمل على تحقيق هذه الإرادة، وهكذا تم حرفيا. أول حلم يحقق، كنت آنذاك في الثالثة عشرة من عمري. ومن ذلك اليوم، أحب رقم 13.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن مجلة (عيون) فصلية ثقافية تصدر عن منشورات الجمل
السنة الثالثة - عدد6 السنة الثالثة 1998- ليون - ألمانيا

[عدلت بواسطة البنـSــدري ت:05-04-2001 س: 02:21 PM]

جنات بومنجل
05-05-01, 10:55 AM
جميل ان تتولى تعريفا بشخصية الشاعر العربي ادونيس ..
سبق و لي و ان اطلعت على هذه السيرة الذاتية لحياته و ارى ان هناك جوانب كثيرة رائعة و مضيئة في حياته ..بساطة حياته ..تعبيره الجميل جدا عن الماضي و الكتاب و العائلة و اول قصيدة قراها امام رئيس الدولة انذاك و طلب منه ان يلتحق بالمدرسة و حقق له ذلك ...
و رغم ما يقال و ما يثيره الشاعر العربي الكبير ادونيس من جدال و من مناقشات عن ظاهرة المدرسة الادونيسية التي ارساها في واقع الشعر العربي الا انه ما زال لدي و لدى الكثيرين ظاهرة شعرية متميزة تحصد اوسمة الشعر العالمية و تكتب بتميز و خصوصية ..
شكرا على هذا الفضاء الذي فتحته للذين لا يعرفون احمد سعيد ..اقصد ادونيس
الى اقلام اخرى ..شكرا على هذه الصفحة .سلالالالام